*- شبوة برس – خاص
تداول ناشطون ومدونون على منصات التواصل الاجتماعي نصاً سياسياً واجتماعياً حاداً للشاعر والمدون السياسي عبدالله الجعيدي، يفتح فيه ملف المقارنة بين حقبتين تاريخيتين شكلتا وعي وواقع الإنسان في جنوب اليمن: حقبة ما قبل عام 1990م إبان حكم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والواقع المرير الذي تلا إعلان الوحدة.
الموضوع لا يقف عند حدود السرد التاريخي، بل يقدم تشريحاً حياً لما يصفه بـ “دولة النظام والقانون” في مقابل “سلطة القبيلة والفساد”، مسلطاً الضوء على تفاصيل الحياة اليومية التي تحولت من الاستقرار والكرامة إلى المعاناة والابتزاز.
ملامح من دولة النظام.. مجانية الطّب والتعليم والأمن المغروس
يستحضر النص حزمة من المزايا الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تكفلها الدولة الاشتراكية للمواطن، معتبراً أن غياب الرأسمالية والفساد المالي كان صمام أمان للمجتمع، ومن أبرز تلك الملامح:
الرعاية الصحية المجانية الشاملة: حيث كان المريض يتلقى العلاج، والفحوصات، والتغذية له ولمرافقه بالكامل على حساب الدولة دون دفع أي رسوم، وصولاً إلى إمكانية العلاج في الخارج إذا استدعى الأمر.
التعليم من الروضة إلى الوظيفة: تكفل الدولة بالعملية التعليمية وتوفير السكن والإعاشة للطلاب، وضمان الوظيفة والمنح الخارجية فور التخرج.
استقرار المعيشة والمواد المدعومة: حيث كان سعر المواد الغذائية موحداً وثابتاً من العاصمة عدن وحتى أقصى قرية في الجنوب، وكانت الأجور الضئيلة بمعايير اليوم تكفي لإعالة أسر ممتدة.
الأمن والنزاهة والقضاء المستقل: غياب حوادث القتل إلا نادراً، وسيادة الأمان حيث يسترد المواطن مفقوداته دون وساطة أو رشوة، وتكفل الدولة بمحامٍ مجاني لأي مواطن في القضايا القانونية.
التحول المرير.. خصخصة الحياة وسقوط القيم
في المقابل، يرسم النص صورة قاتمة للوضع الراهن بعد عام 1990م، حيث تحول كل شيء إلى سلعة تباع وتشترى، وأصبحت “الفلوس” هي المحرك الوحيد للمعاملات، والمحاكم، والطبابة، والتعليم.
وينتقد الكاتب بشدة انتشار الظواهر الدخيلة على المجتمع الجنوبي، مثل انتشار المخدرات والشبو، وتوسع رقعة تعاطي القات بعد أن كان محدوداً ومقنناً، وتحول الجار إلى عدو، واستشراء الفساد تحت مسميات عدة، فضلاً عن غياب النظام والقانون لصالح نفوذ القبيلة والشيخ.
الخاتمة.. صرخة سياسية متمردة
يختتم المدون السياسي طرحه بعبارة تهكمية حادة تلخص حجم الألم والخذلان من الواقع الحالي، موجهاً خطابه إلى القوى التي فرضت هذا الواقع بالقول: “فأعطونا الشيوعية الإسلامية بكل سلبياتها، وخذوا إسلامكم الذي تدّعوه وما أتى به من قتل وإرهاب وفساد وجهل وتخلف وتجويع وسرقة للمال العام والخاص”.
يعكس هذا النص بوضوح حالة “النوستالجيا” أو الحنين الجارف إلى الماضي المستقر، وهي حالة عامة يعيشها الشارع الجنوبي اليوم جراء الأزمات المعيشية والسياسية الطاحنة، حيث يرى الكثيرون في تجربة الدولة السابقة ـ رغم كل التحفظات السياسية عليها ـ نموذجاً لسيادة النظام والقانون التي افتقدوها في حاضرهم.
