من أقدم الحقائق الفلسفية التي عرفتها البشرية هي أن العدل أساس الملك ومن هذه القاعدة انطلقت فكرة الدولة الحديثة باعتبارها عقداً اجتماعياً يلتزم فيه الجميع بالقانون مقابل الحماية صون الحقوق وتكافؤ الفرص لكن ماذا يحدث عندما ينقلب هذا العقد رأساً على عقب ؟ ماذا يحدث عندما ترى المناصب تُقسم كالغنائم والحقوق تُسرق باسم القانون والعدالة تجثو خاضعة لقوة الأقوياء وتسلط الاحزاب ؟
في تلك اللحظة تحديداً تخلع الدولة ثوب الهيبة والشرعية وترتدي قناعاً ليس لها ولكنه يمثل حقيقتها قناع العصابة .
إن أولى علامات التحلل المؤسسي في أي مجتمع تبدأ عندما تتحول الوظيفة العامة من تكليف ومسؤولية إلى غنيمة تُوزع في سوق الولاءات والمحاصصة السياسية أو القبلية أو الحزبية او العائلية .
عندما يُقصى صاحب الكفاءة ويُقدَّم صاحب الحظوة لا نفقد فقط معيار النزاهة بل نفقد الاستحقاق الذي يبني الدول إن تحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات خاصة يُفرغ العمل الإداري من مضمونه ويجعل من المنصب وسيلة للإثراء السريع وتثبيت النفوذ بدلاً من أن يكون أداة لخدمة المواطن والمجتمع .
ليس هناك ما هو أشد قسوة على النفس البشرية من الظلم ولكن أشد أنواع الظلم فتكاً هو ذلك الذي يأتي مغلفاً بنصوص القانون الذي يفسر على كيف المسؤول .
حين تطوع التشريعات أو تُفسر القوانين لصالح فئة متنفذة على حساب الأغلبية نكون أمام عملية سطو مسلح لكنه مغطاة بأوراق رسمية وأختام حكومية . في هذه البيئة تخدم العدالة الأقوياء فقط فيصبح القانون سيفاً حاداً يُسلط على رقاب البسطاء لاستخلاص الحقوق والواجبات منهم ودرعاً منيعاً يحمي الحيتان الكبيرة من الحساب والمساءلة هذا التوظيف الانتقائي للعدالة يهز إيمان المواطن بقيمة الوطن والانتماء .
هيبة الدولة ليست في كثرة السلاح ولا في فرض القيود والترهيب الهيبة الحقيقية تنبع من احترام المواطن لمؤسسات بلاده لشعوره بأنها تمثله وتحميه وتعدل بينه وبين خصومه مهما بلغ نفوذهم .
وحين تخلع الدولة هذا الثوب فإنها تفقد صفتها الاعتبارية كحكم عادل وراعٍ للجميع السلوك الذي يعتمد على النهب والمحسوبية وحماية الفاسد وقمع المطالب بالحقوق هو سلوك ينتمي أدبياً وعملياً لـ العصابات لا لرجال الدولة في هذه الحالة يتوارى مفهوم المواطنة ليحل محله مفهوم الرعايا أو الضحايا .
إن تشخيص هذا الواقع المرير ليس دعوة لليأس بل هو صرخة يقظة إن استعادة هيبة الدولة تبدأ حتماً من :
إصلاح المنظومة القضائية والرقابية لتكون سلطة مستقلة تماماً لا تخضع لأي ضغط أو نفوذ .
تفعيل معايير الكفاءة والشفافية واعتبار الوظيفة تكليفاً يخضع للمساءلة المستمرة .
إعادة الاعتبار للقانون باعتباره مظلة تحمي الضعيف قبل القوي .
بدون هذه الوقفات الجادة والمراجعات الحقيقية ستظل الدورة الإدارية والمجتمعية تدور في حلقة مفرغة فالشعوب قد تصبر على الفقر وقد تصبر على الضيق الاقتصادي لكنها أبداً لا تصبر على غياب العدل وافتراس حقوقها بقوة القانون .
السؤال القائم هل آن الأوان لتستعيد الدولة ثوب هيبتها الحقيقي ثوب العدل والمؤسسات ام انها ستبقى لابسة ثوب وقناع العصابة .
