قراءة في المشهد الجنوبي في ظل التطورات المتلاحقة: اعادة هندسة الخارطة وتوازنات النفوذ .
زلزال جيوسياسي يعيد ترتيب الأوراق:
يمر المشهد في الجنوب العربي بآونة هي الأكثر تعقيداً وتحولاً منذ سنوات. فلم تكن الأحداث المتلاحقة التي شهدتها المنطقة مطلع عام 2026 مجرد جولة جديدة من التجاذبات السياسية، بل مثلت “زلزالاً جيوسياسياً” أعاد رسم موازين القوى عسكرياً وسياسياً. بين طموحات المجلس الانتقالي الجنوبي الساعية لتقرير المصير، وبين هواجس الأمن القومي للمملكة العربية السعودية، يجد الجنوب نفسه اليوم أمام واقع جديد كلياً يتجاوز تكتيكات “التحالفات الفضفاضة” إلى مرحلة الفرض المباشر للوقائع على الأرض.
يمكننا تقسيم القراءة الى 3 محاور .
1. المحور الأول: الحسم العسكري وإعادة صياغة المشهد:
جاءت نقطة التحول الفارقة إثر التحركات العسكرية الأخيرة لمطلع هذا العام، عندما دخلت القوات الجنوبية لفرض أمر واقع في حضرموت والمهرة والسيطرة الكاملة على جغرافيا الجنوب.
هذا التحرك قوبل برد عسكري حاسم ومباشر من قِبل المملكة العربية السعودية للرد على ما أسمته “تهديد امنها القومي”، واستخدمت ثقلها الجوي والعسكري لمنع القوات التابعة للانتقالي من السيطرة على حضرموت والمهرة، بدعوى أن استقرار هذه المناطق الحيوية خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
هذا الحسم الميداني لم يتوقف عند حدود الردع، بل تُرجم سياسياً في الخطوة التاريخية المتمثلة في إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حل نفسه وإلغاء أجهزته في يناير 2026 من الرياض بعد الاستدعاء للقيادات الإنتقالية الى هناك.
هذه الخطوة أنهت حقبة شراكة السلطة “الشرعية مقابل سلطة الأمر الواقع”، وفتحت الباب أمام صياغة مشهد سياسي جديد تُمسك الرياض بخيوطه الأساسية، مع الدعوة لدمج المكونات الجنوبية كافة تحت مظلة حوار وطني شامل لم يفعل إلى اليوم.
2. المحور الثاني: درع الوطن و”الطوارئ” .. ادوات النفوذ على الأرض:
في قلب هذا التحول العسكري، برزت استراتيجية التمكين لـ “الجيوش الموازية” المدعومة سعودياً، وفي مقدمتها قوات “درع الوطن” وقوات “الطوارئ اليمنية”. تثير هذه القوات جدلاً واسعاً في القراءة السياسية:
من زاوية النقد والمخاوف المحلية: تُقرأ خطوة تشكيل هذه القوات (التي يتجاوز قوامها عشرات الآلاف) باعتبارها تخلياً عن بناء جيش وطني موحد، ولجوءاً إلى إنشاء تشكيلات مسلحة تدين بالولاء المالي واللوجستي الكامل للرياض، لضمان سحب البساط من تحت أي فصيل محلي قد يتمرد مستقبلاً على التوجهات الإقليمية.
من الزاوية الرسمية: تُقدم هذه القوات بوصفها طوق النجاة لفرض الاستقرار وتأمين خطوط الإمداد الدولية والمناطق النفطية في حضرموت وشبوة، وحماية العاصمة عدن، مرتكزة على مرسوم رئاسي “مشكوك في شرعيته” يضفي عليها صفة “الشرعية الرسمية” كقوات احتياط تابعة لمرجعية الدولة.
3. المحور الثالث: تقاطع الأمن الإقليمي بالمصالح الخاصة:
لا يمكن فهم ما يحدث في الجنوب بمعزل عن الدوافع العميقة للمملكة العربية السعودية. الواقع الحالي يشير إلى أن الرياض لم تعد تفصل بين أمنها القومي ومصالحها الجيوسياسية الخاصة؛ فمن جهة يعد استقرار الجنوب وصيانة ممراته المائية (خليج عدن وباب المندب) أمراً حيوياً لمنع الفوضى وقطع الطريق أمام تمدد الجماعات الإرهابية والنفوذ الإيراني كما يقال.
ومن جهة أخرى، يمنح هذا التواجد العسكري المكثف في المهرة وحضرموت أوراق قوة استراتيجية للمملكة، تضمن لها تأمين منافذ برية وبحرية بديلة لتصدير الطاقة بعيداً عن مضيق هرمز، فضلاً عن رعاية مكونات سياسية ومجتمعية صاعدة (مثل مجلس حضرموت الوطني) تضمن بقاء المحافظات الشرقية الغنية بالثروات ضمن دائرة التأثير والقرار السعودي المباشر.
المشهد المفتوح على كل الإحتمالات:
إن المشهد الجنوبي اليوم يقف في منطقة رمادية بين فرض الاستقرار بالقوة وبين احتقان محلي مكتوم. نجاح الرؤية السعودية في تثبيت هذا الواقع الجديد يعتمد بالدرجة الأولى على مدى قدرة “مجلس القيادة الرئاسي” والحكومة على تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار اقتصادي وخدمي يلمسه المواطن على الأرض، وفي القدرة على استيعاب كافة التيارات السياسية والمجتمعية دون إقصاء.
وبخلاف ذلك فإن هندسة المشهد عبر القوة العسكرية والتشكيلات الموازية قد تمنح هدوءاً مؤقتاً، لكنها قد تبقي على جمر الخلافات مشتعلاً تحت رماد التسويات الجاهزة.
