في لحظة فارقة تجسّدت فيها الشجاعة والوعي، خرجت نساء عدن، الحرائر، يحملن همّ الوطن على أكتافهن. خرجن مطالبات بحقوق شعب يُنهك، وبكرامة مدينة تنزف من الإهمال والتجاهل. لم يكن خروجهن طمعًا في سلطة أو منصب، بل كان صرخة في وجه الظلم، ودفاعًا عن العدالة، عن مؤسسات تنهار، وعن ما تبقّى من روح وطن يتهاوى.
“حرب الخدمات تجاوزت حدود قواعد سياسة الاحتلال، وأصبحت قضية تمس إنسانية الإنسان”من انعدام خدمات الكهرباء، والمياه، والصحة وانهيار العملة، والتجويع المتعمد، والحرمان من أبسط مقومات الحياة… كلها فصول من مأساة يومية يعيشها المواطن الجنوبي في وطنه كغريب، يتجرع مرارة الفقر، والمرض، وبؤس الحال، وسط انعدام شبه كامل للخدمات، وضيق لا يحتمل في سبل العيش.
كل هذا يحدث بينما يتصدر المشهد من يتحدثون باسم الجنوب العربي، من قصر المعاشيق ومن فنادق الخارج، ينعمون برغد العيش، وقد تخلوا عن الشعب وقضيته، وأصبحوا مرتهنين لقوى لا ترى في الجنوب العربي سوى ورقة مصالح.
تركوا عدن والجنوب يغرقان في الحرمان والموت الصامت، وكأن الأمر لا يعنيهم. أي واقع هذا الذي يجعل من نساء عدن درعًا للوطن، بينما البعض من القيادات “الرجال” اختاروا الخذلان؟ وأي عار هذا حين تصبح المرأة صوت الميدان، بينما سكتت معظم الأصوات الأخرى، أو خُدّرت حتى غابت عن مشهد الكرامة؟
إن هؤلاء الحرائر، هن أمهاتنا وخواتنا وبناتنا، ورفع معاناتهن هو الطريق الوحيد نحو تربية جيل جديد يشعر بالانتماء لهذا الوطن. عدن لا تموت… طالما فيها نساء يكتبن التاريخ بالفعل لا بالكلام، لأنكِ عصية على الكسر، شامخة كجبالك، أصيلة كبحرك، طاهرة كترابك، لأنكِ عدن… مدينة أشبعت الجائع، وآوت المتشرد، واحتضنت الجميع دون تمييز.
كيف يُطفئون نورًا أضاء مجد الأجيال؟ لقد سبقتِ الجميع يا دُرّة البحر العربي، يا زهرة الخلجان، يا من تغنّى بك الفنانون، وكتب عنك الرحالة والمستكشفون، وانحنى لجمالك الأدباء والشعراء. كنتِ وما زلتِ بوابة العرب إلى الهند والسند وأوروبا، فخافك الحُسّاد، وتكالب عليك الطامعون، وظنّوا أن بإمكانهم كسر مجدك الأبدي.
فعلمنا التاريخ أن الشعوب لا تموت أبدًا، وهذا ما أكده تاريخ نساء عدن. شعب الجنوب يتعرض لأبشع صور العذاب والموت البطيء… فلم يتبقَّ لنا إلا خطوات محسوبة وعقلانية في معركة وجود لا تقبل التردد.
“تحية إجلال لكل امرأة خرجت ترفع راية الوطن، لتقول: ‘نحن هنا… وعدن تستحق الحياة'”
#الجنوب_ينزف #عدن_تحتضر #ثورة_الكرامة #صوت_الحق
✍️ ناصر العبيدي
