​مع رحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي في إقامته بالرياض، اندلعت عاصفة من النقد الجارح والاتهامات الشنعاء التي حاولت المطابخ الإعلامية الموجهة إلصاقها بالرجل، محملة إياه وزر نكبة البلاد برمتها. وفي مقابل هذا السيل من الهجوم الممنهج، يبرز تناقض صارخ يثير العجب في الوجدان السياسي اليمني؛ إذ تحولت ذكرى سلفه، علي عبد الله صالح، في كثير من المنصات والوثائقيات إلى سيرة “بطل وقائد تاريخي”، في عملية تزييف واضحة للوعي والذاكرة الجماعية.

​إن هذا التباين الحاد لا يعكس تقييماً منصفاً للتاريخ، بل يكشف عن سطوة الأموال والماكينات الإعلامية للقوى المتنفذة التي أجادت صناعة الرمزية لـ “صالح” لثلاثة عقود، بينما استغلت زهد الرئيس هادي الإعلامي وغياب العصبية القبلية والجهوية الحامية له، لتقديمه كـ “كبش فداء” لأزمات مركبة ورثها ولم يصنعها.

​السنوات العجاف وإرث الإقصاء في الجنوب

​حين يُراد تقييم عهد علي عبد الله صالح بإنصاف، لا يمكن للعين أن تخطئ “السنوات العجاف” التي عاشها أبناء الجنوب العربي عقب حرب صيف 1994 المشؤومة. تلك الحرب التي حوّلت الشراكة السياسية والوحدة الطوعية إلى واقع يشبه “الاستعمار الداخلي” بقوة السلاح وفرض الأمر الواقع.

​لقد تجرع أبناء الجنوب في ظل ذلك النظام كأساً مريرة من الإقصاء والتهميش الممنهج؛ فجُففت منابع الوظيفة العامة، وعُطّلت المؤسسات الجنوبية الرائدة، واستُبيحت الأراضي والثروات لتمويل شبكات النفوذ العائلية والقبلية في صنعاء. ولم يتوقف الأمر عند حدود التهميش الاقتصادي، بل امتد ليمس كرامة الإنسان الجنوبي عبر سياسة “التسريح القسري الجماعي” التي طالت عشرات الآلاف من الكوادر العسكرية والأمنية والمدنية المؤهلة، وتحويلهم قسراً إلى أرصفة البطالة والنسيان. من رحم هذه المعاناة والظلم، انطلقت شرارة “الحراك السلمي الجنوبي” عام 2007، كرفض شعبي عارم لسياسات الغطرسة والإلغاء.

​كرة اللهب وصمت الرئيس هادي

​حين صعد الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى سدة الحكم في 2012، لم يستلم دولة مستقرة، بل استلم “كرة لهب” حارقة وإرثاً مثقلاً بالديون، والجيش المنقسم، والمؤسسات المخترقة. ورغم قلة حيلته وغياب مراكز القوى التقليدية الداعمة له، خاض الرجل معركة شرسة للحفاظ على كيان الدولة المعترف بها دولياً، ورعى مؤتمر الحوار الوطني الذي صاغ مسودة دستور كادت أن تخرج بالبلاد إلى بر الأمان لولا الانقلاب المسلح الذي قوض كل شيء.

​الخطيئة الكبرى التي يغفرها الإعلام الموجه لصالح ويحاسب عليها هادي، هي أن الأول قاد البلاد بعقليته الإقصائية وثرواته المنهوبة إلى حافة الهاوية، ثم تحالف مع خصومه التاريخيين ليسقط العاصمة في 2014 انتقاماً من التغيير. بينما الثاني، تمسك بالشرعية الدستورية والقانونية في أحلك الظروف، ولولا صموده السياسي وخطابه من عدن ثم الرياض، لتلاشت مظلة الدولة القانونية تماماً ولأصبح اليمن بؤرة منسية بلا اعتراف دولي.

​التاريخ لا يكتبه الغاضبون

​إن النقد الشنيع الذي تعرض له الرئيس هادي عقب وفاته ليس إلا محاولة بائسة من القوى المتنفذة لتبرئة ساحتها وتطهير ذاتها من الفشل الجماعي، عبر إلقاء اللوم على رجل رحل عن دنيانا بعد أن ترك السلطة طواعية في 2022.

​الوثائقيات والبروباجندا قد تنجح مؤقتاً في تلميع الحقائق الصادمة وإخفاء مأساة الجنوبيين وسنواتهم العجاف تحت بريق الشعارات الجوفاء، لكن التاريخ في نهاية المطاف لا يكتبه المستفيدون من الأنظمة ولا الغاضبون في وسائل التواصل الاجتماعي. سينصف التاريخ الرئيس هادي كقائد تولى الدفة في أصعب عاصفة بحرية شهدتها المنطقة، وحافظ على رمزية الدولة بكرامة وهدوء حتى الرمق الأخير، بينما سيبقى إرث التهميش والإقصاء وصمة لا تمحوها وسائط الإعلام الملونة.

واحد يونيو 2026