تقديمي للطبعة الثانية من كتاب: عدن تحت الحكم البريطاني: د محمود السالمي
*- شبوة برس – متابعات
على الرغم من كثرة المؤلفات البريطانية التي كُتبت عن مرحلة الاستعمار البريطاني لعدن، فإن كتاب جافين «عدن تحت الحكم البيريطاني» احتل مكانة خاصة بينها جميعًا. ولا تكمن أهمية الكتاب في كونه وثّق مدة ذلك الحكم بكل مراحلها وجوانبها فحسب، بل في طبيعة ذلك التوثيق أيضًا؛ فالكتاب عبارة عن دراسة علمية أكاديمية استندت إلى عدد كبير من الوثائق والمصادر التاريخية غير المنشورة، وفسّرت الأحداث وحلّلتها وربطت بينها بقدر كبير من المنطق والموضوعية. وفضلًا عن ذلك، فقد تحررت تلك الدراسة – بدرجة أو بأخرى – من حالة الانحياز والتحامل التي ظلت تسيطر على كثير من الكتابات البريطانية الأخرى، ومنها كتابات الحكام والسياسيين البريطانيين.
وللأسف، ظلت الاستفادة المحلية من ذلك الكتاب، الذي صدر باللغة الإنجليزية، محدودة للغاية بسبب اختلاف لغته عن لغتنا. وعندما استحدثت جامعة عدن مساقات الدراسات العليا في بداية التسعينيات، برزت الحاجة إلى الكتاب بصورة ملحة، ولا سيما بين أوساط طلاب التاريخ الحديث والمعاصر؛ إذ إن دراسة أي مرحلة من مراحل ذلك العصر، الذي سيطرت على معظمه الأحداث والسياسات البريطانية، كانت تتطلب الرجوع إلى هذا الكتاب. غير أن لغته ظلت تمثل العائق الأكبر أمام هؤلاء الطلاب الذين كان معظمهم لا يجيد اللغة الإنجليزية.
ومن محاسن الصدف أن ذلك الكتاب حظي، منذ نهاية التسعينيات، باهتمام الأستاذ محمد محسن العمري، الذي شده محتواه وتحمس لترجمته. ومنذ ذلك الحين أخذ يصرف معظم جهده ووقته في إنجاز هذه المهمة، وقد شجعه عليها وجوده خارج العمل الرسمي؛ إذ كان من القيادات التي تعرضت للتهميش بعد حرب 1994م، فأُبعدت عن مواقعها وأُهملت في منازلها. وكان الأستاذ محمد من الكفاءات الإدارية والسياسية المشهود لها بالنجاح في الدولة التي كانت قائمة في الجنوب قبل الوحدة، وقد تدرج – بفضل إمكاناته وخبرته – في العديد من المناصب، كان آخرها نائبًا لوزير التأمينات والشؤون الاجتماعية.
ولا شك أن مهمة الترجمة كانت صعبة أمامه؛ فعلى الرغم من إلمامه الكبير باللغة الإنجليزية، فإنه لم يكن يمتلك تجربة سابقة في تعقيدات الترجمة ومزالقها. وقد ضاعف أسلوب الدراسة من متاعب تلك المهمة، إذ كُتبت بلغة أكاديمية ثقيلة ومعقدة، فصرف الكثير من ماله وجهده في شراء الكتب والقواميس، ليس فقط لفهم مفردات الكتاب ومصطلحاته الصعبة، بل لفهم الأحداث نفسها وتكوين خلفية تاريخية واسعة عن المرحلة الزمنية التي تناولها الكتاب، حتى يستطيع أن يقدم ترجمة دقيقة ووافية.
ولنا أن نتصور ثقل ذلك الجهد الكبير الذي بذله في زمن لم يكن فيه تنزيل الكتب الإلكترونية متاحًا في المنازل؛ فقد كانت الحاجة إلى معلومة بسيطة من أي كتاب تتطلب بحثًا طويلًا عنه في المكتبات العامة والخاصة، وكانت الترجمة تعتمد بشكل أساسي على ما تختزنه الذاكرة الشخصية، لا على مساعدة مواقع الشبكة العنكبوتية كما هو الحال اليوم.
ولا نبالغ إذا قلنا إن الأستاذ محمد قد دخل في تحدٍّ كبير مع نفسه بترجمة كتاب «عدن تحت الحكم البريطاني»، واستطاع في النهاية أن يكسب الرهان، ليس فقط بإصراره وجهده وماله، بل أيضًا بسعة خبرته وثقافته، والأهم من ذلك بحبه لوطنه؛ فقد كانت دوافعه إلى الترجمة نابعة من إخلاصه واهتمامه بتاريخ شعبه ووطنه، لا من باب الترف أو شغل الذات.
صدر الكتاب المترجم سنة 2013م عن دار جامعة عدن، بعد مدة طويلة من المتابعة، وحظي نبأ صدوره باهتمام وصدى واسع، ليس فقط بين الأكاديميين وطلاب الدراسات العليا الذين كانوا في أمسّ الحاجة إليه، بل أيضًا بين الأوساط العامة. ولم ينعكس هذا الاهتمام في سرعة نفاد نسخ الطبعة من المكتبات فحسب، بل كذلك في بروزه مرجعًا أساسيًا في معظم الدراسات والرسائل العلمية التي تناولت تاريخ عدن خاصة، أو تاريخ الجنوب عامة. وفضلًا عن ذلك، أصبحت الترجمة نفسها محل اهتمام أكاديمي؛ وللتدليل على ذلك، فقد قُدمت حولها رسالة ماجستير خاصة في مركز الترجمة التابع لجامعة عدن.
ولا شك أن أي عمل لا يخلو من النواقص أو الملاحظات، فالكمال لله وحده؛ ولذلك جاءت الطبعة الثانية من الكتاب حاملةً الجديد، فهي لم تصدر بغرض تغطية الطلب المتزايد عليه فحسب، بل بغرض تقديم طبعة منقحة ومعدلة أيضًا. ولهذا استوعبت هذه الطبعة الكثير من الإضافات والتعديلات والملاحظات التي تداركها المترجم بنفسه، أو تلك التي قدمها المهتمون بالترجمة، ولا سيما في مناقشة الرسالة العلمية التي قُدمت حولها. ولعل أهم ما يميز هذه الطبعة وجود هوامش المصادر والمراجع والإحالات في المواضع التي وردت فيها في الكتاب الأصلي، حتى يستفيد منها من يهمه التعمق في البحث، بعد أن أُهملت في الترجمة السابقة.
ولن أخوض في تفاصيل الكتاب، ولا في استعراض فصوله وعناوين موضوعاته، ففهرس الكتاب ومقدمته يوضحان ذلك بما يكفي، لكنني أجدد التأكيد على أهميته؛ فالكتاب يتميز بقيمة تاريخية خاصة، ولا تكمن أهميته في تلك القراءة والنظرة الأجنبية لمجتمعنا وماضينا فحسب، بل كذلك في الدروس التي قدمها حول مرحلة الاستعمار وأحداثها وآثارها. وهذا لا يساعدنا فقط على معرفة الماضي، وإنما على فهم الحاضر واستشراف المستقبل؛ فالعبرة من التاريخ تكمن في دروسه وعِبره، ولا ريب أننا كلما عززنا معارفنا بكل ما له علاقة بماضينا، وأحسنا تشخيصه، ساعدنا مجتمعنا على تجاوز مشكلاته وأزماته وأخطائه. ولن نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا إن ما نعانيه اليوم من صراعات وعصبيات وحروب يرتبط ارتباطًا وثيقًا بذلك الماضي.
وفي الختام، أود أن أعبر عن إعجابي واحترامي لذلك الجهد الكبير الذي قام به أستاذنا القدير محمد محسن العمري، وأسأل المولى تعالى أن ينعم عليه بالصحة، وأن يوفقه في علمه وعمله، وأن نرى له المزيد من الترجمات للكتب الأجنبية المهمة التي تخص تاريخنا الوطني.
أ.د. محمود علي محسن السالمي
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر – جامعة عدن
مدير مركز عدن للدراسات التاريخية
