الأوطان لا تُبنى بالشعارات الحزبية، ولا بالتبعية لأجندات عابرة للحدود، بل بالإخلاص المطلق للأرض والانحياز الكامل للأهل. وفي الوقت الذي يخوض فيه شعب الجنوب معركة استعادة استقلاله ودولته وتطلعاته الوطنية، تصر بعض الأحزاب والمكونات والوجوه المناهضة على ممارسة أدوار الهدم والتعطيل عبر “حرب الخدمات” وإثارة الفتن لضرب النسيج الاجتماعي. إنها معركة حقيقية بين إرادة شعب يتطلع للمستقبل، وقوى مأزومة تحاول جاهدة إبقاء الجنوب رهينة لصراعات الماضي ومكاسب الحزب.
إن التدقيق في المشهد السياسي الجنوبي يكشف عن وجود اصطفافات تقودها قوى وأحزاب ومكونات متعددة، تلتقي جميعها عند قاسم مشترك واحد وهو: عداء مستحكم لكل ما يمثل الهوية والخصوصية الوطنية الجنوبية، ومحاربة حثيثة للمشروع الذي يلتف حوله الشارع وتقوده قيادات وطنية آثرت الوطن على المصالح الشخصية.
هذا العداء لا يمكن تصنيفه كخلاف سياسي طبيعي أو تنوع في وجهات النظر، بل هو استهداف ممنهج ينبع من رغبة تلك المكونات في إبقاء الجنوب رهيناً لمشاريع موجهة أو أجندات يمنية وإقليمية لا ترى في الأرض الجنوبية سوى جغرافيا للنفوذ والثروة.
وعلى مدار السنوات الماضية، تُرجمت سياسات هذه المكونات المناهضة إلى ممارسات تدميرية ملموسة على الأرض، مستهدفة الإنسان الجنوبي في تفاصيل حياته اليومية.. فقد جرى استخدام تعطيل الملفات الاقتصادية كأوراق ضغط سياسية لإنهاك المواطن وإشغاله بالأزمات المعيشية، بهدف صرفه عن تطلعاته السياسية الكبرى. ويترافق هذا الحصار الاقتصادي مع حرب إعلامية وسياسية شرسة تسعى لتشويه نضالات شعب الجنوب، وبث الشائعات، ومحاولة إفشال أي جهود لترتيب البيت الجنوبي داخلياً أو تمثيله في المحافل الدولية.
إن مكمن الخطورة في سلوك هذه المكونات المناهضة للمشروع الجنوبي يكمن في محاولاتها الدؤوبة لضرب النسيج الاجتماعي من الداخل. فهم يعمدون إلى إثارة النعرات المناطقية، وتغذية الانقسامات، وتوظيف واجهات محلية لزعزعة الاستقرار في المحافظات الجنوبية.
إنهم يحاولون تحويل التباينات السياسية الطبيعية إلى صراعات بينية تفكك وحدة الصف، ظناً منهم أن إضعاف الجبهة الداخلية هو السبيل الوحيد لإعادة فرض المشاريع التي رفضها شعب الجنوب وقدم في سبيل الخلاص منها قوافل من الشهداء.
.. إن مواجهة هذه التيارات المناهضة ومشاريعها الهادمة لا تتطلب يقظة أمنية وسياسية فحسب، بل تستدعي بالدرجة الأولى رفع منسوب الوعي الشعبي وتوطيد وتقوية الجبهة الداخلية الجنوبية. وإن تحصين المجتمع من الاختراقات الفكرية والسياسية هو حائط الصد الحقيقي .
… فالأوطان لا تُبنى بالتبعية للأجندات الخارجية أو بالارتهان لمكونات تقتات على الأزمات بل بالإخلاص للأرض والانحياز التام للأهل، وستظل الإرادة الوطنية الصلبة هي الصخرة التي تتحطم عليها كل محاولات التزييف والالتفاف.
