حين تقرر الدولة تغيير الطريقة التي تُحتسب بها الرسوم على ما يأتي من الخارج، فإنها لا تمسّ أوراقًا في مكاتبها وحدها، بل تمسّ جيب المواطن في بيته، ومائدته، وهمّه اليومي.
رفع الدولار الجمركي يعني ببساطة أن البضاعة التي كانت تصل إلى السوق بسعر معقول، ستعود محمّلة بكلفة أعلى قبل أن تلمسها يد التاجر.
وتلك الزيادة لا تتوقف عند الميناء، بل تواصل طريقها مع كل نقلة، ومع كل يد تتداولها، حتى تصل إلى المستهلك وقد تضاعف ثقلها.
المواطن لا يفهم الحسابات، ولا يقرأ القرارات من زاوية فنية، بل يفهم فقط حين يذهب إلى السوق ويجد أن ما كان يشتريه بالأمس صار اليوم أبعد من يده.
يرى أن راتبه ثابت، وأن احتياجاته لا تنتظر، وأن الحياة لا تمنحه مهلة ليتأقلم.
فيشعر أن القرار، مهما كانت نواياه حسنة، قد جاء في وقت هو فيه أصلًا مثقلًا بالهم، يعاني من انقطاع الدخل، ومن ارتفاع كل شيء حوله.
الحكومة تتحدث عن توحيد الإيرادات، وعن ضبط التهريب، وعن بناء خزينة قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
وهذا كلام لا ينكره عاقل، فالدولة لا تقوم إلا إذا قامت مواردها.
لكن المواطن البسيط لا يرى الخزينة، بل يرى فقط سعر السلع الذي تغيّر، ودخله الذي لم يتغيّر، وخدماته التي لا تزال متعثرة.
ويرى أن بدل الغلاء الذي مُنح له لا يكفي لتغطية الفارق، وأن الوعود بالرقابة تظل حبرًا على ورق ما لم يلمس أثرها في السوق.
الخطر الحقيقي ليس في القرار نفسه، بل في أن يُترك بلا متابعة.
فإذا لم تُضبط الأسواق، وإذا لم تُمنع الجبايات غير القانونية، وإذا لم يُوقف الاحتكار، فإن ما سيحدث هو أن التاجر سيحمّل المواطن كل العبء، وسيقول إنها أوامر الدولة.
وحينها يتحول الإصلاح إلى عبء جديد، وتتحول النية الطيبة إلى ألم يومي لا يُطاق.
النجاح الحقيقي لأي قرار اقتصادي لا يُقاس بما يدخل الخزينة، بل بما يبقى في جيب المواطن.
فإذا شعر الناس أن الدولة تسير معهم لا عليهم، وأن الإصلاح لا يعني مزيدًا من الضغط، حينها فقط يمكن أن يتحملوا، ويمكن أن يصبروا، ويمكن أن يصدقوا.
وإلا فإن كل كلام عن الإصلاح سيبقى بعيدًا، وسيبقى المواطن وحده يواجه موجة الغلاء بيد مرتعشة وقلب مثقل بالسؤال: إلى متى؟
بقلم الأستاذ وحيد أبو نوار الحوشبي
