شهدت الساحة الجنوبية منعطفاً تاريخياً غيّر خارطة النفوذ السياسي والعسكري بشكل جذري. فبعد سنوات من الاستقطاب والسيطرة الميدانية للمجلس الانتقالي الجنوبي، جاءت أحداث يناير 2026 لتضع حداً لشكل الإدارة السابق وتفتح الباب أمام تساؤلات معقدة حول شرعية القرارات المتخذة، ومستقبل القضية الجنوبية، وإمكانية خروج المكونات السياسية من دائرة الضعف الحالية.
نحاول هنا قراءة المشهد من زواياه الحادة:
أولاً: إعلان الرياض وحل المجلس..قراءة في “الشرعية والمشروعية”:
أثار الإعلان المفاجئ الذي تلاه الأمين العام للمجلس الانتقالي، الشيخ عبد الرحمن جلال شاهر الصبيحي، من العاصمة السعودية الرياض في 9 يناير 2026، والقاضي بحل المجلس الانتقالي بكافة هيئاته وأجهزته، صدمة واسعة وجدلاً قانونياً وسياسياً عميقاً.
من الناحية التنظيمية والسياسية، لا يجوز قانوناً لأمين عام أو لوفد مفاوض إعلان حل كيان سياسي أو جبهوي من عاصمة دولة خارجية دون العودة إلى الجمعية الوطنية، أو الهيئة الرئاسية، أو القواعد الشعبية التي فوضت هذا الكيان.
في العُرف السياسي، يُنظر إلى مثل هذه الخطوات المفاجئة التي تتم تحت ضغوط إقليمية مكثفة على أنها “إجراءات أمر واقع” فُرضت لتجاوز القيادة التاريخية. ومع ذلك فإن قبول أطراف من داخل الوفد بقراءة البيان عكس حجم الانقسام الداخلي والإنكشاف السياسي الذي وصل إليه المجلس قبيل الإعلان.
ثانياً: تحولات المشهد الميداني والسيطرة المطلقة:
تغيرت المعادلة على الأرض في الجنوب بشكل متسارع نتيجة حسابات عسكرية غير دقيقة يعرفها الجميع سبقت هذا التحول. ويمكن تلخيص ملامح المشهد الجديد في النقاط التالية:
دخول قوات درع الوطن وطوارئ التحالف: عززت المملكة العربية السعودية تواجد القوات الموالية لها والمدربة حديثاً (مثل قوات درع الوطن وقوات الطوارئ) لتتسلم زمام المبادرة الأمنية والعسكرية في عدن، وحضرموت، والمهرة.
تقويض وتهميش القوات الجنوبية:
جرى عزل أو تحجيم الفصائل المسلحة التابعة للانتقالي التي أحكمت قبضتها لسنوات على العاصمة عدن وبعض المحافظات، وتم تجريدها من الميزة النسبية التي كانت تمتلكها على الأرض لحساب القوات المدعومة سعودياً.
خروج عيدروس الزبيدي:
جاء خروج رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي الدراماتيكي من المشهد بالتزامن مع استعادة القوات التابعة للتحالف “السعودية” السيطرة الميدانية، ليمثل إعلاناً ضمنياً عن أفول نجم الإدارة الفردية السابقة للمجلس.
ثالثاً: هل انتهت مرحلة “عيدروس الزبيدي”؟
المعطيات الحالية تشير بالفعل إلى أن مرحلة قيادة عيدروس الزبيدي للمشهد الجنوبي قد وصلت إلى نهايتها الواقعية. فقد ارتبطت تلك المرحلة بظروف وتوازنات إقليمية معينة تغيرت بوصلتها بالكامل.
ومع ذلك فإن التاريخ السياسي يؤكد أن اختزال “قضية شعب” في شخص أو كيان سياسي كان خطأ استراتيجياً وقعت فيه النخب الجنوبية.
القضية الجنوبية نشأت قبل تأسيس المجلس الانتقالي (في عام 2017) بعقود، ولها جذور سياسية وهوية راسخة تعود إلى ما قبل حرب صيف 1994، وبالتالي فإن غرق المجلس الانتقالي في دائرة الضعف أو حل نفسه لا يعني بأي حال من الأحوال موت القضية الجنوبية.
رابعاً: كيف يخرج الجنوب من دائرة الضعف؟
لكي تستطيع فصائل الحراك الجنوبي والمكونات الحية الخروج من مأزق الضعف الحالي، وتفادي التهميش الكامل تحت وطأة السيطرة الإقليمية المطلقة، يجب اتخاذ مسارات جديدة منها:
فك الارتباط بين “القضية” والأشخاص:
يجب على النخب السياسية والثقافية في الجنوب التأكيد على أن رحيل أو إزاحة القيادات السابقة (بمن فيهم الزبيدي) هو فرصة لتجديد الدماء وليس نهاية المطاف.
إعادة هيكلة وتعيين قيادة جديدة:
تبرز الحاجة الملحة لعقد مؤتمر جنوبي شامل وحقيقي داخل الأرض (وليس في عواصم الخارج) لانتخاب قيادة جماعية جديدة أو رئيس جديد للمكون الجنوبي، يمتلك رؤية سياسية مرنة وقادرة على التعامل مع السعودية والمجتمع الدولي بندية وحكمة بدلاً من التبعية المطلقة أو الصدام العسكري غير المحسوب.
الانخراط الذكي في “الحوار الجنوبي الشامل”:
على القوى الجنوبية استغلال الدعوات الإقليمية للحوار (مثل الحوار برعاية الرياض) لفرض رؤية موحدة تشترط عدم المساس بالحقوق السياسية والسيادية لأبناء الجنوب، بدلاً من مقاطعة المسارات السياسية والوقوع في عزلة تامة.
خلاصة التحليل:
إن المشهد في الجنوب يمر بمرحلة مخاض عسير؛ فالأدوات القديمة والأسماء التي تصدرت المشهد طوال العقد الماضي استهلكت أوراقها. لكن هذا الضعف الحالي قد يتحول إلى نقطة انطلاق جديدة إذا أحسنت القوى الوطنية الجنوبية تنظيم صفوفها، وابتعدت عن صراعات الأجنحة، وتقدمت بقيادة جديدة تؤمن بأن حماية تطلعات الشعب في الجنوب تتطلب نضجاً سياسياً يتجاوز الشعارات العاطفية والمغامرات العسكرية غير مدروسة العواقب.
